منتدى الاعظمية
منتدى للاعظميين واهل العراق لتبادل الاراء والافكار بين بعضهم البعض
.
.

الاعظمية و صباح القيمة والهريسة

الاعظمية و صباح القيمة والهريسة

 
رنا جعفر ياسين

لم أعرف غيرها البوما مطرزا بالصور و الذكريات , صباحها المفعم بالحب يضاهي مساءها المغسول بعبير دجلة , الناس فيها بألوان و أعراق شتي , يتعاونون , و يتشاركون الافراح و الاحزان , يغمرونها بالطيب فتغمرهم هي بالاحتواء , عودتنا الكرم و علمتنا حب الناس , تفرش قلبها فرحا بالضيوف و الزائرين ... هكذا كانت الاعظمية و لصيقتها راغبة خاتون .
تضج بالاحتفالات بحنو آخاذ يحتضن الوافدين , كما و تحزن مع كل مناسبة يفترش فيها الحزن قلوب البشر , من مولد النبي المحتفل به في جامع ابي حنيفة النعمان و المناطق المجاورة له حتي جسر الائمة , وصور النساء المفترشات الارض في حلقات تحيط بالدولمة و البرياني و مايجود به ( نفس ام البيت ) من المأكولات العراقية , يطعمن اطفالهن ورجالهن و يتبادلن الاطعمة مع الغير في طقس لا يخلومن اشعال الشموع لتتعالي النذور و الادعية و البركات , الي مشهد اخر يتسابق فيه رجال و نساء و أطفال مشيا للوصول الي مقام الامام الكاظم (عليه السلام ) في ذكري وفاته , أفرادا و جماعات يملأون الشوارع و الطرقات التي لا تخلو من الخيرين و هم يزوعونها بالمأكل و المشرب لخدمة هؤلاء الزوار دون جوع أو عطش خلال يوم أو يومين يقضونها مشيا بغية الوصول الي المقام الشريف . صورتان كبرتا معي بعد عامي الخامس حين أخذتني والدتي للمرة الأولي مع خالاتي و جارتنا و بناتها الي مولد النبي .. و كانت المرة الأولي التي اري فيها حشدا كبيرا من البشر يفوقونني طولا و حجما , يمشون , يفترشون الارصفة و يتناعمون في تبادل الاطعمة و المشروبات , اطفالهم يلعبون و يركضون , كنت في سري اود اللعب معهم , لكن امي كانت تخاف علي كثيرا لذا لم ابتعد عنها و اقنعتني بطبق دولمة احبه كانت جارتنا قد اعدته وفاءا لنذرها بطلب الولد , ثم و للمرة الاولي أشعل شمعة كما فعلن بنات جارتنا الاكبر مني سنا .. و قالوا لي ( اطلبي مراد ) .. كنت صغيرة , ولم افهم , ضحكن و قالن ( تمني ) , كانت امنيتي بسيطة .. دراجة بلا عجلتين جانبيتين و في نفس العام ايضا أتذكر المسيرة الطويلة ذات صباح منعش و الناس الذين يملؤون الشوارع حينما كانت والدتي تأخذني للروضة في راغبة خاتون لأعرف منها ان هؤلاء الرجال و النساء الغارقات في السواد مع اطفالهن يقطعون شارع روضتي للوصول الي منطقة الكاظمية لاحياء ذكري وفاة الامام الكاظم ( عليه السلام ) في تقليد سنوي تتوزع فيه عربات الطعام و الشراب المجاني علي طول تلك الطرقات و من ضمنها شارع بيتنا و شارع روضتي الحبيبة كبرت معي هاتان الصورتان .. تتكرران سنويا و نكبر معها , فأفهمهما تدريجيا ً... و الاعظمية تتسعُ للجميع . كانت أمي تقول اني طفلة مزعجة في الطعام , لا أحب اي شئ , و لا أكل اي شئ , و لكني أتذكر مواسم تأتينا فيها ( القيمة و التمن ) أو ( الهريسة ) و مواسم أخري تغرد فيها ( الزردة ) , لم أكن أحبهم , لذا لم أكن أميز تلك المواسم , و لم أكن أميز من يطبخ ( القيمة و التمن ) و ( الهريسة ) و من يطبخ ( الزردة ) , و لكن عندما كبرت بدأت شهيتي تتهذب نوعا ما , فبدأت أحب ( القيمة و التمن ) و ( الزردة ) .. و لم أحب حتي اليوم طعم ( الهريسة ) , و لكنني عرفت مواسم طبخهم , و عرفت أيضا من يطبخهم , و كانت الاعظمية معطاءة خلال المناسبتين , فتارة يطرق الباب جارك جاملا قدرا ( للقيمة ) و قدرا ( للتمن ) أو صحنا مترفا بالـ ( هريسة ) , و تارة أخري و في وقت أخر يطرق بابك الجار الاخر حاملا صحن ( الزردة ) و هي تلمع يطرزها الدارسين ببراعة , و شوارع طفولتي و صباي و شبابي لا تعرف الفرق بين ثوابين مختلفين , البيوت جميعها تتنتظر ( الزردة ) و جميعها تنتظر ( القيمة و التمن ) و( الهريسة ) , يطلبون مرادهم دائما و يتضرعون لله , و يشارك الجميع في تقليب القدور و تقديم النذور .. و الاصوات تتعالي ( ان شاء الله مرادك حاصل ) .
سنواتنا تنقضي الان , و كل منطقة خصصها مجهولون لطعام واحد , و أنا أشتاق ( لزردة ) جارتنا الخالة فوزية , و أشتاق لل ( القيمة و التمن ) التي كانت تحضرها لنا جارتنا الاخري الخالة أم محمد , و خالتي معي ربما تشتاق ل( هريسة ) بيت أبو سرمد , جارنا الاخر . و اعرف جيدا ً أن الاعظمية و راغبة خاتون تشتاقان لكل هذا , و الأهم منه , تشتاقان لنا بألواننا و أعراقنا المختلفة .

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


.
.
منتدى الاعظمية

 

 

أهلا بكم في منتدى الاعظمية..منتدى حر للاعظميين واهل العراقrquee>